اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

190

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

ذات طابع خاص وعام . فقد وضح أنه لا أساس للقول بأن الرحلة من نسج الخيال 53 ، إذ ثبت مثلا صحة المعلومات التي أوردها عن والى سجستان في ذلك العهد ، وكان العلماء يرفضون الاعتراف بصحتها منذ أيام غريغورييف 54 . وبعض التفاصيل المتعلقة بزيارته للصين وجدت توكيدها في وصف السفارة المتأخرة التي بعث بها شاهرخ 55 إلى تلك البلاد ، كما تم الاعتراف بدقة ملاحظة أبى دلف في محيط الظواهر الطبيعية والتاريخية . وفيما عدا هذا فيمكن القول الآن وبصفة قاطعة أنه قد ثبت أن روايته لا تمثل يوميات أو وصفا للطريق بل تم تدوينها من الذاكرة وبعد مدة طويلة من حدوث الرحلة على ما يظهر ومع عدم مراعاة التسلسل التاريخي حين الكلام على زيارته للقبائل والأماكن المختلفة ؛ وإلى جانب ما شاهده بعيني رأسه أضاف أبو دلف غير قليل مما سمع ولم يفرّق بين الاثنين 56 . والخلاصة أنه لا توجد أدلة قاطعة تثبت أن الوصف لم يعتمد على رحلة واقعية أو أنه لم يكن سوى مجموعة من القصص المنسوبة إلى أبى دلف « * » 57 . هذا وقد وصل الرحالة العرب إلى أوروبا لا من ناحية المشرق وحده بل من المغرب كذلك . ولدينا في ذلك أثر ممتاز - - هو مصنف إبراهيم بن يعقوب الذي حفظ لنا جزءا منه الجغرافي والأديب الأندلسي للقرن الحادي عشر البكري ، وأيضا كوزموغرافى القرن الثالث عشر القزويني . وإبراهيم بن يعقوب عالم أندمسى يهودي كان يشتغل بتجارة الرقيق وقد جال في جنوب ألمانيا في عام 965 وقابل الإمبراطور أوتو Otto في مجد برج Magdeburg 58 وحفظ لنا معلومات واسعة عن إمارات الصقالبة في أوروبا الوسطى في ذلك العصر ، ويحدثنا عن أربعة منها هي بلغاريا وبولندا والتشك وإمارة ناكون الأبدريتى Nakon of Obdorites . كما يورد تفاصيل وافية عن بعض المدن الساحلية أو القريبة من الساحل بفرنسا وهولندا وألمانيا ، ومن الطبيعي أن يجتذب مصدر هام فريد في نوعه كهذا اهتماما خاصا من جانب العلماء الألمان والسلاف الذين ندين لهم قبل غيرهم بأبحاث كثيرة ومتنوعة عن إبراهيم . وجميع هذه الأبحاث تعتمد على كتاب كونيك وروزن ( 1878 - 1903 ) ، الذي بقي إلى الآن أفضل بحث في هذا الموضوع . ويشمل الجزء الأول 59 من هذا البحث نص وترجمة جميع ما حفظه لنا البكري من رواية إبراهيم في كتابه « المسالك والممالك » ، وذلك اعتمادا على المخطوطتين المعروفتين آنذاك ( إحداهما للمستشرق الإسبانى غايانغوس Gayangos والأخرى موجودة بالقسطنطينية ) . وتمثل الأبحاث العديدة التي قام بها جورج ياكوب G . Jacob ابتداء من عام 1889 خطوة إلى الأمام في دراستها ، وكذلك أبحاث فستبرج F . Vestberg التي ترجع إلى نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين . والميزة الكبرى لياكوب ، إلى جانب نحليله العميق للمادة ، هي دراسته المنظمة لما حفظه لنا القزويني عن إبراهيم وإفادته من مخطوطة جديدة للبكرى كشف عنها لاندبرج Landberg .

--> ( * ) ظهرت طبعتان للرسالة الثانية لأبى دلف في الآونة الأخيرة ، إحداهما لمينورسكى ( القاهرة 1955 ) والأخرى لمستشرقين سوفيتين هما بلغاكوف وخالدوف ( موسكو 1960 ) . ( المترجم )